شاهو القرة داغي
عندما نطالب بتطبيق الإسلام، والعودة إلى الأحكام
والمبادئ التي حكمت حياة المسلمين السياسية في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-
والصحابة والخلفاء الراشدين، والرجوع إلى الأحكام والثوابت التي حققت العدل
والمساواة وضمنت الحقوق والحريات السياسية وحاربت الظلم والفساد والاستبداد بالرأي
والسلطة، حتى أصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجًا؛ بسبب تطبيق هذه المبادئ في
أرض الإسلام، وكان المسلمون نموذجًا حيًا لتجسيد مبادئ العدل والإنسانية في
المنطقة والعالم أجمع. عندما نطالب بالرجوع لهذه الأحكام السياسية الإسلامية؛
يخرج علينا البعض ليعترض ويعبر عن انزعاجه من هذه الدعوة، ويقول: كيف تطالبون
بالعودة إلى زمن حكم فيه ملوك وسلاطين المسلمين بشكل استبدادي، وحكموا بالنظام
الوراثي، وحكموا بأهوائهم وليس بناءً على القوانين، وخالط الظلمُ حكمهم، وكانوا يحكمون
باسم الإسلام ويعتبرون أنفسهم حماة الدين؟!
هنا؛ ندرك مدى الجهل وعدم الدراية بالتاريخ الإسلامي
ومراحل الخطاب السياسي الإسلامي والأحكام الشرعية السياسية في الإسلام؛ لأن من
يدرك هذه الأمور لا يمكن أن يقع في هذا الغلط والالتباس.
الدكتور حاكم المطيري، في كتابه “الحرية أو الطوفان”،
بَيَّنَ بوضوح حقيقة هذه المسألة ومراحل الخطاب السياسي الإسلامي والمواصفات التي
تميز كل خطاب عن الآخر؛ وسنحاول بيان الأمر بشكل مختصر على ضوء كتابات الدكتور
حاكم.
إذا نظرنا في تاريخ الدولة الإسلامية؛ نجد أنها مرت بثلاث مراحل رئيسة:
المرحلة الأولى: نسميها “مرحلة الخطاب السياسي المُنزل”.
وهنا؛ تجلت مبادئ الخطاب القرآني والنبوي والراشدي على الحياة السياسية في المجتمع
الإسلامي. وكانت أبرز هذه المرحلة: حق الأمة في اختيار السلطة ومراقبة تصرفات
السلطة ومساءلة السلطة وحق المعارضة السياسية وانتقاد السلطة؛ وكانت جميع الحقوق
السياسية مكفولة في هذه المرحلة، والتي تمتد من إنشاء الدولة الإسلامية على يد
الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى وفاة آخر خليفة تم اختياره عن طريق الشورى، وهو “عبدالله
بن الزبير”.
وفي هذه المرحلة: تجسد الخطاب السياسي الإسلامي على أرض
الواقع دون تحريف أو تأويل، ولذلك؛ هذا الخطاب هو الخطاب الذي يجب على الأمة
العودة إليه، وخاصة قضية حق الأمة في اختيار السلطة والمعارضة السياسية والحقوق
الأخرى، التي من أهمها نسف قضية الأنظمة الوراثية من جذورها؛ لأن هذا النوع من
الأنظمة لا يمكن أن يجد مكانًا أو دليلًا يؤيد وجوده في هذه المرحلة، وبالتالي؛ من
يحارب الأنظمة الوراثية عليه المطالبة بالعودة إلى مرحلة الخطاب السياسي المنزل؛
لأنها تنسف ادعاءات من يحاولون إيجاد الدليل الشرعي وتأويله لترسيخ حكم السلطة
الوراثية.
أما المرحلة الثانية فهي: “مرحلة الخطاب السياسي
المؤول”، وتعني أنه يحتج بالنصوص لكن على غير الوجه الذي أراده الشارع، بمعنى
توظيف الدين ورجال الدين واستعمال النصوص الشرعية والأحكام الإسلامية لخدمة السلطة
ولترسيخ الواقع بدل محاولة تغيير الواقع بموجب الأحكام. وأهم ما يميز هذه المرحلة:
التبرير للسلطة الوراثية ومحاولة شرعنتها من قبل رجال الدين، وتحريم المعارضة
السياسية وانتقاد الملك، وتقديس السلطة، واغتيال العلماء ونفيهم، وعدم السماح
بوجود المعارضة السياسية؛ وامتدت هذه المرحلة من بعد سنة (73 هـ) حتى سقوط الخلافة
العثمانية.
الأحداث التي وقعت في هذه المرحلة، والأحكام التي
طبقت؛ لا يمكن أن تحسب على الإسلام؛ لأنها تخالف تمامًا ما كان عليه الوضع في زمن
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزمن الخلفاء الراشدين في مرحلة الخطاب السياسي
المنزل. وأصبح رجال الدين والعلماء في هذه المرحلة بتأويل وتفسير النصوص الدينية
بما يوافق مشيئة الملك. وصحيح أن هذه المرحلة أطول من مرحلة الخطاب السياسي
المنزل، ولكن هذا الأمر لا يعطي الشرعية لهذه المرحلة ولا يفرض علينا كذلك أن
نحاول إعادتها؛ لأنها مليئة بالشوائب، وليست تطبيقًا حقيقيًا للنصوص الدينية،
وبالتالي؛ على المسلمين أن يحاولوا العودة إلى مرحلة الخطاب السياسي المنزل؛ حيث
كانت تطبيقًا صحيحًا وحقيقيًا لأحكام القرآن والسنة النبوية.
والمرحلة الثالثة والأخيرة هي: “مرحلة الخطاب السياسي
الإسلامي المبدل”، والذي بدأ بسقوط الخلافة ومستمر إلى الآن؛ وهي مرحلة تم نسف
الخلافة الإسلامية والقضاء الشرعي الإسلامي فيها. وهذا الخطاب ظهر في سبيل ترسيخ
الواقع الجديد الذي صنعه الاستعمار البريطاني. ورغم وجود رجال دين يدافعون عن هذا
الخطاب الذي لا يعترف بوحدة الأمة، ويخدم المحتل؛ إلا أنه ليست له علاقة بالإسلام
بتاتًا؛ لأنه خطاب يرسخ الذل والخضوع، ونشأ بمشيئة الاحتلال؛ فكيف يكون خطابًا
إسلاميًا يسعى لإعادة المجد ونهضة الأمة؟!
هذا الشرح البسيط كان في سبيل إيصال فكرة مختصرة
بأن المطالبة بالعودة إلى الأحكام الإسلامية السياسية الشرعية ليس المقصود بها
الرجوع إلى مرحلة الخطاب السياسي الإسلامي المؤول، ولا المبدل؛ بل العودة والرجوع
إلى مبادئ مرحلة الخطاب السياسي الإسلامي المنزل؛ الذي يحمي كرامة الإنسان ويضمن
حقوقه وحرياته. ونحن في الأصل نضحي ونحاول ونعمل للتخلص من الأنظمة الوراثية التي
تحكم في بلادنا وتنشر الفساد والخوف والقمع؛ فكيف يُعقل أن نطالب بعودة نظام وراثي
شبيه لما عندنا؟!
جميع الحقوق السياسية والحريات التي تتباهى بها الدول
الغربية كانت موجودة في مرحلة الخطاب السياسي المنزل. إننا أصحاب قوانين أكثر
عدالة وتقدمًا من قوانين الغرب؛ فلماذا لا نقرأ التاريخ ونتصالح مع ماضينا ونسعى
لإعادته عندما يكون التقدم والنهضة والازدهار فيه، في وقت استفاد الغرب
كثيرًا من الجوانب في هذا الخطاب المنزل؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق