/ , / لماذا لا ينجح السيسي؟

لماذا لا ينجح السيسي؟


أحمد عابدين
قارب العام الأول من حكم السيسي على الانتهاء، والإخفاق هو سيد الموقف على كل الأصعدة؛ فالرجل فشل فشلًا ذريعًا في حل مشكلة الأمن على امتداد خريطة مصر، عكس ما تم الترويج له أثناء الحملة الانتخابية عن طريق الأذرع الإعلامية، كونه قادمًا من المؤسسة العسكرية؛ فبدءًا من سيناء التي تحولت لوطن مستقر للإرهاب، يُبادر فيه بشكل شبه دوري بخطف أرواح عساكر وضباط ومواطنين أبرياء لم يسلموا أيضًا من بطش قوات الأمن، مرورًا بحالة السادية المخيفة التي انتابت جهاز الشرطة، فأصبحت أخبار القتل والتعذيب على أيدي الضباط والأمناء داخل أماكن الاحتجاز وفي الشوارع مقررًا يوميًا على صفحات المواقع الإخبارية، ووصولًا إلى ولاية الصعيد الإسلامية التي تم الإعلان عنها مؤخرًا؛ ليكتمل المشهد المخيف والمنذر بحالة فوضى عارمة، نسأل الله أن يُنجينا منها جميعًا”.
أما عن الوضع الاقتصادي الذي وصل إليه الحال على يد السيسي، فإن الكلام عنه يثير الهم والنكد؛ فالنظام يسير بخطوات ثابتة وموفقة نحو الفشل الذريع، ويُصرّ على الدخول في فشل تلو الآخر؛ نتيجة انعدام التخطيط والثقة المبالغ فيها التي تؤدي للاستغناء عن مشاورات الخبراء ودون الاقتراب من الشفافية والمصارحة مع المواطنين الذين يدفعون ثمن هذا الفشل بأسباب ومبررات تلك المشاريع؛ فبداية بمشروع قناة السويس الجديدة الذي تم الترويج له على أنه المُخلّص من الفقر والذي تم البدء فيه بسرعة مخيفة ودون أي دراسة متأنية أو شفافة، والذي تسبب في أزمة تمويل للاستثمارات داخل القطاعات الاقتصادية للدولة بعد جمع معظم الأموال اللازمة له  من الودائع البنكية، إضافة إلى العديد من التقارير الفنية المنشورة عن أخطاء جسيمة في دراسات وتنفيذ المشروع وإعلان العديد من الخبراء عن عيوب في التصميم والتنفيذ، والتي تحقق منها بالفعل انهيار بحوض الترسيب كان قاب قوسين أو أدنى من قتل العديد من العمال الأبرياء، كما إن المشكلة الأعظم في المشروع هي أن أثره على الاقتصاد القومي سيتحقق بعد مدة زمنية طويلة، في وقت تحتاج فيه مصر لمشاريع أقل وقتًا وأسرع ربحًا تناسب الوضع الاقتصادي، ثم أتى من بعده المؤتمر الاقتصادي الذي تكلف تنظيمه قرابة 42 مليون دولار، أي ما يقارب 330 مليون جنيه، لم يتحمل الرعاة منها سوى 12 مليون دولار فقط، وفق تصريحات رئيس الهيئة العامة للاستثمار، إضافة إلى 100 مليون جنيه لتجهيز وتزيين مدينة شرم الشيخ لاستقبال الوفود، والذي انتهى إلى مجموعة وعود بودائع وفرص استثمارية تبعتها تصريحات رسمية مخيبة للآمال لا تدل على شيء سوى أنه كان أشبه بالكرنفال الفخم الذي تم دفع تكاليفه من عرق وقوت المصريين الذين هم في أشد الحاجة لهذه الأموال؛ وغير ذلك من مشاريع ووعود للمواطنين بالقضاء على الفقر كانت أشبه بوعد تحويل الإيدز إلى كفتة.
أما عن الحالة المعيشية للمواطنين، فإن القلب ليحزن وهو يحاول التأمل والتفكير فيها؛ فنظام السيسي لا يعترف من بين الأحياء على أرض هذا البلد سوى بالهيئات الحاكمة من ضباط جيش وشرطة وهيئات قضائية، ولا يدخر جهدًا في زيادة مرتباتهم وامتيازاتهم ومعاشاتهم هم ومن والاهم من موظفي القطاعات المصرفية والبترولية، والذين هم بالأساس يتقاضون مرتبات ويحصلون على امتيازات أضعاف ما يتقاضاه باقي الفئات العاملة، وسط خطاب أقرب بخطاب المتسولين لباقي قطاعات الشعب ومطالبتهم بالتقشف والصبر من أجل النهوض باقتصاد مصر، ومطالبتهم بتحمل أعباء رفع الدعم عنهم لتدعيم الميزانية التي هي مرتع للفساد الحكومي وللأجهزة السيادية وغير السيادية التي ترفض الخضوع لأي شكل من أشكال الرقابة، وللمحاسيب من رجال الأعمال.
وما من قطاع أو ملف خارجي أو داخلي إلا وأصابه ما أصاب تلك القطاعات من الفشل المحزن لكل من يريد لهذه البلد أن تنهض ولم يكن يتمنى هذا الفشل أبدًا، ومن بينهم كاتب هذه السطور؛ لأن نتائجه لن يتحملها غير البسطاء، وهو ما يدعو للتأمل في الأسباب الحقيقية لتلك النتائج؛ فأجهزة الدولة عن بكرة أبيها تنحني طاعة وخضوعًا لأوامر الرئيس وحكومته، مما لا يدع مجالًا لتكرار ادعاءات الإخوان بتعمد أجهزة الدولة إفشالهم، ولا يمكن كذلك التحجج بأثر المظاهرات على عجلة الإنتاج التي اخترعها المجلس العسكري؛ فقوات الأمن في مصر في ظل حكم السيسي لا تدخر رصاصًا ولا خرطوشًا عن المتظاهرين السلميين؛ مما جعل التظاهر السلمي في شوارع القاهرة أخطر بكثير من زرع قنبلة.
إذًا؛ فلماذا فشل، ويفشل، وسيفشل السيسي ونظامه؟
تأتي إجابة هذا السؤال مختصرة في كلمة واحدة، ألا وهي “الإبداع”؛ الذي هو سلاح النهوض بالدول والمجتمعات المتعثرة، والذي ظل محرّمًا على من يحكم هذا البلد لمدة 44 عامًا، والذي لا يمكن أن يتفتق إليه ذهنه بعد كل تلك السنين.
فلقد التحق الرئيس بالحياة العسكرية وهو ابن الـ16 عامًا، وظل بها حتى بلغ سن الستين، تلك الحياة التي تتناقض بشكل كامل وتام مع الحياة السياسية اللازمة للنهوض بأي دولة؛ فالحياة العسكرية شرطها الرئيس هو إطاعة الأوامر وتنفيذها دون تردد، ودون أي مجال للإبداع أو الابتكار؛ فالإبداع قد يقتلك أو يتسبب في الهزيمة، تلك هي طبيعة الحياة العسكرية التي تحمل شعار “نفذ الأمر ثم تظلّم”، والذي هو ما يضاد الحياة السياسية التي تعتمد على الابتكار والإبداع والتحايل للوصول إلى أفضل النتائج. كذلك، فإن جوهر العسكرية هو الدفاع عن أرض الوطن، وقتل الأعداء؛ والنجاح فيها يعبر عنه قتل الخصم أو العدو، وأدواتها هي الأسلحة التي كلما عظم تدميرها زادت أفضليتها، عكس الحياة السياسية، التي يُشكّل جوهرها تحقيق المكاسب لكل الأطراف، والتي لا تعرف المعادلات الصفرية؛ فالكل يجب أن يربح، والتي كلما لانت أدواتها زادت أفضليتها. لذلك؛ فقد استقرت النظم السياسية في العالم على اتباع القيادة العسكرية للقيادة السياسية؛ لأن الحرب هي أداة من أدوات السياسة يتم اللجوء إليها بعد نفاذ كل الوسائل الأخرى وفشل جميع المناورات السياسية.
لقد ترك نظام مبارك الوضع في مصر على أسوأ ما يكون على كل الأصعدة، وقد زاد المشهد سوءًا وصعوبة الوضع المحزن والمثير للرعب المحيط بمصر من كل اتجاه، لذا؛ فإن الطريق الوحيد لحل مشاكل مصر الداخلية والخارجية لن يأتي إلا بالإبداع وبابتكار حلول إبداعية غير تقليدية بالمرة؛ فالمشكلة الاقتصادية الحالية لن تُجدي معها نفعًا الطرق البدائية، وكذلك فإن الأزمة السياسية -الأكثر خطورة حاليًا- لن تذيب تجمدها الحلول الأمنية القادمة من خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وكذلك الحال بالنسبة لكل الملفات والقطاعات.
لهذا؛ لم تكن التحذيرات التي أطلقها السياسيون داخل وخارج مصر من خطر الحكم العسكري المباشر والصريح، وتدخل القيادة العسكرية في إدارة كل ملفات الدولة، لم تكن من فراغ؛ فهذه هي خلاصة التجارب التي مر بها الكثير من الدول، والتي آثرت مصر أن تخوضها هي الأخرى بكل آلامها وصعوبتها، والتي ستشهد أيضًا نهاياتها الصعبة والتي كما أنها ستكون بداية النهاية للتجمد الإبداعي؛ فستكون أيضًا بداية الانطلاق لمستقبل أفضل، أو هكذا أعتقد.

الموضوع السابق :إنتقل إلى الموضوع السابق
الموضوع التالي :إنتقل إلى الموضوع القادم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق